تمرُّ علينا هذه الأيام ذكرى مؤلمة، هي الذكرى السابعة لرحيل العالم الجليل الدكتور يوسف مروة (1934-2019)، تاركاً وراءه إرثاً علمياً وثقافياً وأدبياً غنياً، وفراغاً يصعب ملؤه في قلوب محبيه. هذا الإرث يشهد بعطائه المتواصل وإخلاصه في خدمة العلم والدين والمجتمع والثقافة والأدب.
رحل عنّا الصديق الأخ الأب المحب والعالم المتواضع الدكتور يوسف مروة، ولكنه لم يرحل منّا، ما زال طيفه في القلب والعقل والذاكرة.
كان رجل علمٍ وعالم بما فيها الكلمة من معنى، سلاحه الأمضى كان القلم والكتابة والبحث على مختلف
الصعد.
كان لا يهدأ، يكتب و ينشر ويحاضر في معظم المناسبات. لا تجد تقريباً جريدة عربية في المغترب إلا ونشر فيها، من مقالات، ودراسات ومواقف الخ.
أضف إلى العديد من الأبحاث العلمية والفكرية والسياسية والدينية.
تعرفت على د. مروة قبل ان اعرفه منذ ثلاثة عقود تقربياً عندما انتقلت من مونتريل للعمل في مقاطعة انتاريو في ضواحي تورنتو. كنت اقرأ الجرائد العربية واستمتع بمقالاته، وكنت أشعر انه يقرأ افكاري. لذلك ازدادت الرغبة للتعرف عليه. وهكذا كان.
تعرفت عليه من خلال صديق مشترك. اللقاء الأول كان للتعرف، لكن سرعان ما تحوّل إلى لقاء ودّي، ومع الوقت تطورت العلاقة وتوطدت واصبحت علاقة عائلية متواصلة منذ ذلك الوقت.
من المواضيع التي أثارت اهتمامه في المغتربات هي:
1. حل إشكالية رؤية الهلال. فالخلاف ناتج من ناحية عن الأعتماد على الرؤية بالعين المجردة للقمر اعتماداً للحديث الشريف "صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته".
وقد يكون أيضاً انعكاس لخلاف سياسي في بعض الأحيان. حاول د. يوسف ايجاد معيار موحد يمكن الأعتماد عليه كمعيار علمي ودقيق، حيث قدّم دراسة عميقة معتمداً فيها على العلم والفهم الديني العميق وأعتبر ان الرؤية ليست حصراً على العين المجردة بل على الأعتماد أيضاً على العلم وخصوصاً علم الفلك. وبذلك يمكن معرفة رؤية الهلال بشكل دقيق ولسنواتٍ قادمة.
هذا البحث نشره في الأعلام وطلب مني المساعدة لإرساله بالبريد الألكتروني لكل المراجع الدينية من كل المذاهب. هذه الدراسة لاقت ترحيباً من بعض المراجع، حيث اعتمدها المرجع السيد محمد حسين فضل الله وبدأ يستعمل علم الفلك لتحديد الرزنامة القمرية وتحديد اليوم الأول للعيد.
2. قدّم بحث عن اكتشاف امريكا حيث خرج بخلاصة من هذه الدراسة ان العرب والفينيقيين اكتشفوا قارة اميركا قبل كريستوفر كولومبس بمئات السنين [3]. "وأكد د. مروة ان في مكتبته، الذي ضاق بها المكان في منزله، اكثر من الف مصدر علمي يؤكد على حقيقة وصول الفنيقيين والعرب إلى هذا العالم قيل كولومبس"[4]. وعليه ارسل اقتراح لمعظم الدول والحكومات العربية وجامعة الدول العربية لأقامة الأحتفالات بهذه المناسبة.
3. قدّم مذكّرة إلى مؤتمر القمة العربي، الذي عقد في الخرطوم، تضمّنت مشروعاً بإنشاء مؤسسة عربية للطاقة الذرية وأخرى للأبحاث العلمية.
4. مشروع قانون حول استخدام وتطبيقات النظائر المشعة في لبنان.
5. دراسة علمية حول الغبار الذرّي المتساقط في في العالم العربي نتيجة التجارب النووية الأمريكية والروسية.
6. مشروع إقامة مختبر لقياس الغبار والتلوّث النووي، والنشاط الإشعاعي فوق الأراضي اللبنانية[2].
كتب عن "أزمة الفكر العربي المعاصر" وعن "سعادة والفلسفة -المدرحية"، وعن "جبران خليل جبران: الفيلسوف العرفاني"، وعن الله والكون والأنسان، وعن تأثير اللغة العربية باللغات الأخري، وعن مساهمة وتأثير العباقرة العرب في المجتمعات الغربية، إلى الكثير من الواضيع التي لم يتّسع هذا المقال لذكرها.
فالحديث عن الدكتور يوسف يحتاج إلى بحث بحد ذاته، فهو بحر من العلم والمعرفة، أبحاثه ومنجزاته العلمية واختراعاته المسجلة تدل على ذلك، لم يكن الدكتور يوسف عالِماً عادياً، بل كان عبقرياً ونموذجاً للمفكر الموسوعي الذي جمع بين التخصص الدقيق في علوم الهندسة الفيزيائية والطاقة الزرّية، والغوص العميق في السياسة وعلم الأجتماع وعلوم الشريعة والفقه. للمزيد، يمكن زيارة موقعه الألكتروني الذي انشَأته له لتوثيق ما امكن من تراثه الغني
https://dryoussefmroueh.com/
كيف رآه معاصروه؟
تميزت شخصيته بالتواضع وعمق الفكر، ووصفه رفاق دربه:
"العالم الدكتور يوسف مروة، عبقري من بلادي، عملاق، مبدع.. أغنى المكتبة العربية بمؤلفاته واجتهاداته العلمية كما ساهم في تطوير بعض القواعد والأساليب التقنية، من خلال نظرياتٍ واكتشافاتٍ وضعها في حقول الفيزياء والرياضيات والتطبيقات الصناعية وغيرها" د. عاطف قبرصي[2]
"العالم والمعلم والعلاّمة، الفيزيائي والرياضي والأكاديمي، الكاتب والأديب والمؤرّخ، العقائدي العلماني والمؤمن المتديّن حتى الثمالة" الأستاذ فارس بدر[2]
"العالم الذي كان له الباع الطويل والانتاج الوفير في العلوم الفيزيائية والفلكية والرياضيات وغيره" الأستاذ خالد حميدان [2].
"لقد تميزت شخصية الراحل الدكتور يوسف مروة بتعددية آفاقها العلمية وشمولها المعرفي اذ لم يدخله اختصاصه الأكاديمي في إطاره المحض فتعداه إلى التاريخ والفلك والأدب والفقه والدين والسياسة" الشيخ علي السبيتي[2].
"عالم الذرة والطاقة النووية والهيدروجينية العالم الفيزيائي والخبير الفلكي الذي قضى عمره في خدمة المعرفة والعلم والإنسان" Janaoubia.com [1].
إن الذكرى السابعة لوفاة الدكتور يوسف مروة تذكرنا بأن امثاله من العلماء هم مصابيح الدُجى، ورحيلهم خسارة للأمة، لكن بقاء علْمهم وإرثهم هو النور والمنارة الذي يبقى بعد رحيلهم. فكم من كلمة قالها، أو محاضرة ألقاها، أو كتاب ألفه، لا يزال ينير الطريق لأجيال لم تولد بعد.
ختاماً
إن حفظ تراث العلماء، ونشر علمهم، والاقتداء بمنهجهم، هو أفضل تكريم لهم، وأصدق تعبير عن الوفاء لهم.
فإلى روحك الطاهرة، أيها الدكتور الحبيب ، نسأل الله أن يرحمك رحمة واسعة، وأن يجعل علْمك في ميزان حسناتك، وأن يجعلك من أهل الفردوس الأعلى.
رحم الله الدكتور يوسف مروة، وأسكنه فسيح جناته،
المراجع
1. https://bit.ly/44Yn8Xd 2. https://dryoussefmroueh.com/
3. http://www.beautifulislam.net/history/muslims_americas.htm
4. جريدة العربي رقم ,4 ،22 مايو 1996 (https://bit.ly/3Y8IcX6)